سيد محمد طنطاوي

197

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وارتدت فرقة واحدة في عهد عمر وهي قبيلة « غسان قوم جبلة بن الأيهم » « 1 » . والمعنى : يا أيها الذين آمنوا لا يتخذ أحد منكم أحدا من أعداء اللَّه وليا ونصيرا لأن ولايتهم تفضى إلى مضرتكم وخسرانكم . بل وإلى ردتكم عن الحق الذي آمنتم به ، ومن يرتدد منكم عن دينه الحق إلى غيره من الأديان الباطلة فلن يضر اللَّه شيئا ، لأنه - سبحانه - سوف يأتي بقوم آخرين مخلصين له ، ومطيعين لأوامره ، ومستجيبين لتعاليمه . بدل أولئك الذين ارتدوا على أدبارهم ، وكفروا بعد إيمانهم . قال - تعالى - : وإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ « 2 » . ولفظ * ( فَسَوْفَ ) * جيء به هنا لتأكيد وقوع الأمر في المستقبل ، إذا ما ارتد بعض الناس على أدبارهم . وقد وصف اللَّه - تعالى - أولئك القوم الذين يأتي بهم بدل الذين كفروا بعد إيمانهم ، وصفهم بعدد من الصفات الحميدة ، والسجايا الكريمة . وصفهم - أولا - بقوله : * ( يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَه ) * : ومحبة اللَّه - تعالى - للمؤمنين هي أسمى نعمة يتعشقونها ويتطلعون إليها ، ويرجون حصولها ودوامها . وهي - كما يقول الآلوسي - محبة تليق بشأنه على المعنى الذي أراده . ومن علاماتها : أن يوفقهم - سبحانه - لطاعته ، وأن ييسر لهم الخير في كل شؤونهم . ومحبة المؤمنين للَّه - تعالى - معناها : التوجه إليه وحده بالعبادة ، واتباع نبيه محمد صلى اللَّه عليه وسلم في كل ما جاء به ، والاستجابة لتعاليمه برغبة وشوق . وقوله : * ( يُحِبُّهُمْ ) * جملة في محل جر صفة لقوم . وقوله « ويحبونه » معطوف على * ( يُحِبُّهُمْ ) * . وقدم - سبحانه - محبته لهم على محبتهم له ، لشرفها وسبقها ، إذ لولا محبته لهم لما وصلوا إلى طاعته . وصفهم - ثانيا - بقوله : * ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ ) * . وقوله : * ( أَذِلَّةٍ ) * جمع ذليل ، من تذلل إذا تواضع وحنا على غيره ، وليس المراد بكونهم أذلة أنهم مهانون ، بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب للمؤمنين . وقوله : * ( أَعِزَّةٍ ) * جمع عزيز وهو المتصف بالعزة بمعنى القوة والامتناع عن أن يغلب أو يقهر

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 160 . ( 2 ) سورة محمد . الآية الأخيرة .